التخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسة في علاج سن أمامي علوي متهدم

هل ما تعلّمناه عن الوتد والـ ferrule والـ pulpitis ما زال صحيحاً؟ مراجعة الأدلّة ٢٠١٩–٢٠٢٥



جاءني الزميل يستشيرني في حالة. مريضةٌ في الثلاثين، تلقت صدمة قوية على ثنيّتها العلويّة قبل سنتَين، عُولجت لبّيّاً وبُنيت بحشوةٍ ضوئيّة. ثمّ جاءت إليه قبل أسبوع وقد انكسر التاج كلّه، تحت مستوى اللثة بمليمتر. سألني: «ركّبتُ fiber post طويلاً ليُقوّي الجذر، ثمّ أصنع لها تاج zirconia… أليس هذا هو الصحيح؟»

سؤاله بريءٌ بقدر ما هو شائع. ومع ذلك، تحته أربعة أوهامٍ متجذّرة في الممارسة منذ عقود، تجاوزها العلم وما زالت تُقال في المحاضرات وتُكتب في المراجع العربيّة. لذلك أكتب هذه المراجعة — لا لأهاجم زميلاً، بل لأُنبّه إلى ما تغيّر منذ كنّا في الكلّيّة.

سأناقش هنا أربعة أوهام، ثمّ القرار السريريّ الأصعب: كيف نُكسب الـ ferrule حين يكون الكسر تحت اللثة؟

الوهم الأوّل: الـ Post يُقوّي السنّ

هذه أكثر معلومةٍ خاطئةً انتشاراً بين الزملاء. سَل مئةً منهم عن وظيفة الوتد، يُجبك خمسةٌ وتسعون: «يُقوّي السنّ، يُدعّمه، يُعزّز مقاومته للكسر». والأدبيّات تقول العكس تماماً منذ ثمانينيّات القرن الماضي، وتُؤكّده اليوم.

الوتد لا يُقوّي ولا يُدعّم البنية الجذريّة. وظيفته الوحيدة توفير retention لمادّة الـ core حين لا تكفي البنية التاجيّة المتبقّية لتثبيتها. والـ core بدوره يوفّر الاحتفاظ للتاج النهائيّ.

الوتد لا يُقوّي السنّ. هو فقط يُمسك بالـ core. والـ core هو الذي يُمسك بالتاج. فإن كان لديك بنيةٌ تاجيّة كافية، فلا حاجة لوتدٍ أصلاً.

والأسوأ: تحضير مكان الوتد يُضعف الجذر فعليّاً. كلّ ميلّيمترٍ من العاج الجذريّ تأخذه ليتّسع الوتد، يُقرّبك من خطر الكسر الجذريّ العموديّ (Vertical Root Fracture، اختصاراً VRF). والأرقام مزعجة:

دراسة تشريحيّة على الـ CBCT (Cone Beam Computed Tomography، التصوير المخروطيّ المحوسب): بعد تحضير مكان الوتد في الضواحك السفليّة بمثقابٍ بقياس #2 Peeso، احتمال بقاء عاجٍ بسماكة ١ ملم في الاتّجاه الإنسيّ–الوحشيّ كان ١٠٪ فقط للضاحك الأوّل و٢٨٪ للثاني. أي أنّ ٧٠–٩٠٪ من الضواحك المُحضّرة لوتدٍ تخرج بعاجٍ أقلّ من الحدّ الأدنى الآمن.

والحدّ الأدنى المتّفق عليه هو ١ ملم من العاج محيطيّاً حول الوتد. إن لم يتوفّر، يُوصى بألّا يقلّ عن ٠٫٦–٠٫٩ ملم في الاتّجاه الأخطر.

حين تضع وتداً «لتُقوّي» سنّاً معالجاً، هل سألت نفسك يوماً: كم المقدار الذي خسرناه من بنية الجذر الداخلية  ليستوعب وتدك؟

الوهم الثاني: الـ Ferrule كلّ شيءٍ أو لا شيء

الـ ferrule هو طوقٌ من العاج التاجيّ السليم، بارتفاع لا يقلّ عن ١٫٥–٢ ملم، يُحيط بمحيط السنّ بعد التحضير. وجوده يُحوّل الإجهادات الجانبيّة من نقطة واحدة إلى دائرة، ويُقلّل خطر الكسر إلى النصف تقريباً.

المشكلة أنّ كتب طبّ الأسنان قسّمت الـ ferrule إلى ثلاثة احتمالاتٍ فقط:

  • كاملٌ بارتفاع ≥ ٢ ملم — ممتاز.
  • متوسّطٌ بارتفاع ١–١٫٥ ملم — مقبول مع تحفّظ.
  • غائبٌ تماماً (٠ ملم) — يستلزم تطويل تاجٍ جراحيّ أو خلعاً.

هذا التقسيم خاطئٌ بمنطقه. والواقع السريريّ يقول إنّ معظم الأسنان المكسورة لا تُقدّم لك ferrule منتظماً ٣٦٠ درجة، بل جدارَين أو ثلاثة، وبارتفاعاتٍ متفاوتة.

مراجعة Dong وزملائه (٢٠٢٤) المنهجيّة في Journal of Dentistry، وعلى ١٩ دراسة in vitro، خلصت إلى ثلاث نتائج تُغيّر القرار السريريّ:

Dong et al. ٢٠٢٤:
  • وجود ferrule غير كاملٍ يزيد مقاومة الكسر زيادةً ملحوظة مقارنةً بغيابه التامّ.
  • عدد الجدران المحوريّة المتبقّية يؤثّر على مقاومة الكسر ونمط الفشل.
  • موقع الجدران المتبقّية (شفويّ، حنكيّ، إنسيّ، وحشيّ) يؤثّر على المقاومة، وإن لم يؤثّر على نمط الفشل.

بكلامٍ آخر: جدارٌ واحدٌ سليم أفضل من لا شيء. وجداران أفضل من واحد. وجدارٌ شفويّ ليس كجدارٍ حنكيّ في توزيع الإجهاد. هذه قراراتٌ مصيريّة تتّخذها قبل أن ترفع الـ handpiece.

الـ ferrule ليس مفتاحاً ثنائيّاً «نعم/لا». هو مُتدرّجٌ في كلّ من الارتفاع، والعدد، والموقع. ومن يُعامله كأنّه ثنائيّ، يخسر أسناناً كان يمكن إنقاذها.

الوهم الثالث: تشخيص Irreversible Pulpitis يساوي علاج جذور حتميّ

هذا الوهم يخصّ زملاء الاستعاضة بقدر ما يخصّ زملاء اللبّ. لأنّك أنت — الزميل في الاستعاضة — حين يأتيك المريض بسنٍّ أماميّ مكسور وكشفٍ لبّيّ، تتّخذ قراراً بإحالته لعلاج جذورٍ تلقائيّاً. ولعلّ ذلك القرار يحتاج مراجعة.

التحوّل بدأ مع بيان موقف الجمعيّة الأوروبيّة لطبّ اللبّ (European Society of Endodontology، اختصاراً ESE) عام ٢٠١٩. ثمّ تبعها بيان الجمعيّة الأمريكيّة (American Association of Endodontists، اختصاراً AAE) عام ٢٠٢١. ثمّ الدليل الإكلينيكيّ الأشمل من ESE في ٢٠٢٣ بصيغة S3-level (أعلى مستوى توصية وفق منهج GRADE).

خلاصة هذه التوصيات: التشخيص ما قبل العلاج بـ irreversible pulpitis لا يستلزم بالضرورة pulpectomy (استئصال اللبّ كاملاً). علاج اللبّ الحيويّ (Vital Pulp Therapy، اختصاراً VPT)، خاصّةً الـ full pulpotomy، أصبح خياراً علاجيّاً مقبولاً للأسنان الناضجة ذات الكشف اللبّيّ التسوّسيّ العَرَضي.

Asgary وزملاؤه (٢٠٢٤): دراسة أتراب استرجاعيّة على ١٢٥٧ سنّاً مُعالجاً بـ VPT، بمتابعةٍ متوسّطها ٤٢٫٢ شهراً.
• معدّل البقاء الإجماليّ: ٩٩٫١٪.
• معدّل النجاح الإجماليّ: ٩١٫٦٪.
Direct Pulp Capping (٧٦٨ سنّاً): ٩١٫٩٪.
Partial Pulpotomy (٢١٧ سنّاً): ٩٢٫٦٪.
Full Pulpotomy (٢٧٢ سنّاً): ٩٠٫١٪.

هذه أرقامٌ تُجبر أيّ زميلٍ على التريّث قبل القفز إلى علاج جذور. ولماذا يهمّك هذا أنت كاستعاضيّ؟ لسببَين:

  1. السنّ الذي يبقى حيويّاً يحتفظ ببنيته العاجيّة كاملة، فلا تحتاج وتداً، ولا تخسر ferrule، ولا تخاطر بـ VRF لاحقاً.
  2. كلّما زادت بنية السنّ السليم، زادت احتماليّة نجاح ترميمك الاستعاضيّ على المدى البعيد.
قبل أن تُحيل المريض لعلاج جذور، هل سألتَ نفسك: هل اللبّ هنا قابلٌ للحفاظ عليه؟ أم أنّ القرار صار رِفلَكْساً ورِثناه عن أساتذتنا قبل عشرين عاماً؟

الوهم الرابع: حدود النسيج الداعم أرقامٌ ثابتة

كلّ كتاب يُكرّر نفس الأرقام المنسوبة إلى دراسة Gargiulo (١٩٦١):

  • الظهارة الموصِّلة (Junctional Epithelium): ٠٫٩٧ ملم.
  • التعلّق الضامّ (Connective Tissue Attachment): ١٫٠٧ ملم.
  • عمق التلم (Sulcus Depth): ٠٫٦٩ ملم.
  • المجموع: ٢٫٠٤ ملم — وهو ما سُمّي تاريخيّاً «العرض البيولوجيّ» (Biologic Width)، وتسميته الحاليّة الأدقّ Supracrestal Tissue Attachment اختصاراً STA.

ما يَغفل عنه أكثر الزملاء أنّ هذه متوسّطاتٌ من ٢٨٧ سنّاً على جثثٍ بشريّة. لكن دراسة Gargiulo نفسها أظهرت أنّ القيم الحقيقيّة تتراوح بين ٠٫٧٥ و٤٫٣ ملم. أي أنّ التغيّر بين الأفراد قد يصل إلى ستّة أضعاف.

تنبيه سريريّ: ضبط هامش الترميم على مسافة ٢ ملم فوق العَرف العظميّ ليس قاعدةً قطعيّة. هي توصيةٌ إحصائيّة. والمريض الذي أمامك قد يكون من ربع المرضى الذين STA لديهم ٣ ملم أو أكثر. تجاهل ذلك يعني انتهاك المسافة البيولوجيّة ولو ظاهريّاً «احترمتها».

الحلّ: قياس STA سريريّاً لكلّ مريض قبل التخطيط، إمّا بـ bone sounding تحت تخديرٍ موضعيّ، أو بـ CBCT منخفض الجرعة.

القرار السريريّ الأصعب: كيف تُكسب الـ Ferrule حين يكون الكسر تحت اللثة؟

هذا هو لبّ الموضوع. ثلاث طرقٍ، لكلٍّ منها وقتُها ومريضها:

١. التطويل التاجيّ الجراحيّ (Surgical Crown Lengthening)

إجراءٌ معروف. يُكشف الجراحُ العظم ويُزيل جزءاً منه لإظهار عاجٍ تاجيٍّ كافٍ مع احترام STA. سريع، حاسم، لكن له ثمن:

  • تدهور نسبة التاج إلى الجذر (Crown-to-Root Ratio).
  • تراجع لثويّ، يكسر التماثل في المنطقة الجماليّة الأماميّة.
  • خسارة العظم السنخيّ وأحياناً الحُلَيْمة بين الأسنان.

الخلاصة: في المنطقة الخلفيّة جيّد. في المنطقة الأماميّة الجماليّة عند مريضٍ بخطّ ضحكٍ مرتفع، خيارٌ كارثيّ.

٢. البَثْق التقويميّ (Orthodontic Extrusion)

تطبيق قوّةٍ تقويميّةٍ خفيفةٍ مستمرّةٍ على الجذر تجذبه تاجيّاً. خلال ٤–٨ أسابيع، يصعد الجذر، ويصعد معه العظم واللثة. ثمّ تتبع ذلك فترةُ تثبيتٍ ٣ أشهر، ثمّ — إن لزم — تطويلٌ جراحيٌّ بسيطٌ لإعادة هندسة اللثة فقط لا العظم.

الميزة الكبرى: الـ Orthodontic Extrusion هو الخيار الوحيد الذي يُكسبك الـ ferrule دون أن يُضحّي بهندسة اللثة في المنطقة الجماليّة. وحين يُضاف إليه supracrestal fiberotomy أسبوعيّاً، يُسرّع النتيجة دون ارتداد لاحق.

٣. الرفع الترميميّ للهامش (Deep Margin Elevation)

تقنيةٌ ابتكرها Dietschi وSpreafico عام ١٩٩٨، وأعاد Magne ترويجها لاحقاً. تقوم على رفع الهامش تحت اللثويّ بطبقةٍ من الراتنج المركّب اللاصق إلى مستوى فوق لثويٍّ أو متساوٍ مع اللثة، ثمّ يُجرى تحضير الترميم النهائيّ فوقه.

مراجعة Eggmann (٢٠٢٣) في J Esthet Restor Dent شملت ٣٨ دراسة، خلصت إلى أنّ DME لا يُقلّل مقاومة الكسر، وأنّه متوافق مع صحّة اللثة حين يُنفَّذ بدقّة. وبحثٌ سريريّ على الأسنان الأماميّة (JPD ٢٠٢٥، Eggmann et al.) أظهر متابعةً ٦ سنواتٍ ناجحة على رضوحٍ أماميّةٍ تحت لثويّة.

شرط الـ DME الناجح: عزلٌ تامٌّ بـ rubber dam، تطبيقٌ صارمٌ لبروتوكول اللصق، وانتباهٌ لكون الهامش — وإن صعد — لا يبقى تحت لثويّاً بقدر يُعرّض اللثة للالتهاب المزمن.

الجدول المقارن

المعيار التطويل التاجيّ الجراحيّ البَثْق التقويميّ رفع الهامش الترميميّ
الزمن أسبوعان ٢–٤ أشهر جلسة واحدة
الأثر الجماليّ في المنطقة الأماميّة سيّئ (تراجع لثويّ) ممتاز (يُحافظ على التماثل) متوسّط (يعتمد على عمق الهامش)
نسبة التاج إلى الجذر تسوء تسوء قليلاً لا تتأثّر
التكلفة على المريض متوسّطة مرتفعة منخفضة
الاستطباب الأمثل المنطقة الخلفيّة المنطقة الأماميّة الجماليّة كسرٌ بسيطٌ تحت لثويّ ≤ ٢ ملم

اللصق هو السرّ، لا الـ Post

إن قرّرتَ بعد كلّ ما سبق وضع fiber post، فاعلم أنّ نجاحه يعتمد ١٠٠٪ على بروتوكول اللصق، لا على الوتد نفسه. وأكثر فشل أوتاد الألياف لا يأتي من كسرها، بل من انفكاكها (debonding).

المراجعة الشبكيّة الميتا-تحليليّة (J Dent ٢٠٢٣) قارنت أنواع الإسمنتات الراتنجيّة لـ fiber post، وخلصت إلى أنّ الإسمنت الراتنجيّ ذاتيّ اللصق (Self-Adhesive Resin Cement، اختصاراً SARC) كان الأفضل في كلٍّ من الأمدَين القصير والطويل، بينما إسمنت الـ Etch-and-Rinse هو الأضعف في القناة.

وبروتوكول اللصق الصحيح يستلزم:

  • عزل مطلق بـ rubber dam.
  • إزالة الـ smear layer داخل القناة.
  • تجفيفٌ دقيق دون تجفيفٍ مفرط (over-drying) يقتل الترابط.
  • إسمنتٌ دوائيّ التصلّب (dual-cure) لأنّ الضوء لا يصل إلى عمق القناة بكفاية.
  • تغطية فتحة المدخل (access cavity) بطبقةٍ من الـ glass ionomer قبل بناء الـ core لضمان الإغلاق التاجيّ.
إن أهملتَ بروتوكول اللصق، فأنت لم تضع وتداً، بل وضعتَ قنبلةً موقوتة. الفشل قد لا يأتي في الأسبوع الأوّل، لكنّه آتٍ خلال السنتَين.

الإغلاق التاجيّ: ما يَغفل عنه الجميع

سؤال: ما الذي يُؤثّر فعلاً على بقاء سنٍّ مُعالجٍ لبّيّاً على المدى البعيد؟

الجواب ليس عاملاً واحداً. جودة الحشوة الجذريّة مهمّة. كميّة العاج المتبقّي مهمّة. صحّة اللثة مهمّة. والإغلاق التاجيّ (Coronal Seal) — وهنا التحوّل في فهمنا — صار من أقوى هذه العوامل، بعد أن كان مهملاً لعقود. سنٌّ مُعالَجٌ لبّيّاً ببنيةٍ متواضعة لكنّه مُغلَقٌ تاجيّاً بشكلٍ ممتاز، يعيش غالباً أطول من سنٍّ بحشوةٍ جذريّةٍ مثاليّة لكنّ تاجه يُسرّب. ذلك لا يعني أنّ الإغلاق التاجيّ يُغني عن البقيّة، بل أنّه عنصرٌ موازٍ لها في الوزن، لا تابعٌ ثانويّ كما كنّا نُعلَّم.

وهذا يعني: الترميم المؤقّت بعد علاج الجذور ليس مؤقّتاً بمعنى أنّك تتراخى فيه. إن بقي السنّ بإغلاقٍ مؤقّتٍ أكثر من ثلاثة أشهر، توصي الأدبيّات بإعادة معالجة الجذور قبل التاج النهائيّ.

مراجعة ٢٠٢٥ في Acta Odontol Scand: دراسةٌ سريريّةٌ على بقاء أسنانٍ مُعالَجَة جذريّاً، تابعت ٥ سنواتٍ بحثاً عن أثر التأخّر في الترميم النهائيّ المباشر. والنتيجة: التأخّر بحدّ ذاته لم يُؤثّر على البقاء، شرط أن يبقى الإغلاق التاجيّ المؤقّت سليماً. لكن دراسةٌ على ٤٠١٢ مريضاً (٢٠١٨) أظهرت أنّ التأخّر أكثر من ٦٠ يوماً يرتبط ارتباطاً ذا دلالةٍ إحصائيّة (p < 0.001) بقلع السنّ لاحقاً.

الرقمان متضاربان ظاهريّاً، لكن خلاصتهما واحدة: ليس التأخّر بحدّ ذاته هو الخطر، بل تأخّرٌ مصحوبٌ بتسرّبٍ تاجيّ. وضمان عدم التسرّب صعبٌ إذا تجاوزتَ شهرَين.

اختيار التاج النهائيّ في السنّ الأماميّ

القرار هنا بين معسكرَين:

الزركونيا أحاديّة الكتلة (Monolithic Zirconia)

قويّة، لا تتشظّى، مقاومتها للانثناء بين ٩٠٠ و١٢٠٠ ميغا باسكال (الـ 3Y-TZP) أو ٥٠٠–٧٠٠ ميغا باسكال (الـ 5Y-TZP الأكثر شفافيّة). لكن في المنطقة الأماميّة، خصائصها البصريّة أقلّ من e.max، رغم تحسّن الأجيال الأخيرة.

الليثيوم ديسيليكات (Lithium Disilicate / e.max)

مقاومتها للانثناء ٣٦٠–٤٥٠ ميغا باسكال. أقلّ من الزركونيا. لكن جماليّاتها فوق المقارنة، وتشابهها مع نفاذيّة العاج الطبيعيّ مذهل.

تجربةٌ سريريّةٌ مُعشّاة متعدّدة المراكز (٢٤٠ مريضاً، ٢٠٢٤، JOP) قارنت الاثنَين على مدى ٥ سنواتٍ في الأسنان المفردة. النتيجة: لا فرق في الراحة والوظيفة والرضى الإجماليّ، لكنّ رضى المرضى الجماليّ كان أعلى مع الـ lithium disilicate بفارقٍ ذي دلالة (p = 0.012)، بينما كانت الزركونيا أقلّ معدّلاً للكسور والتشظّي خاصّةً في المنطقة الخلفيّة.

حين تختار بين الزركونيا والليثيوم ديسيليكات لسنٍّ أماميّ، هل تختار ما تُفضّله أنت؟ أم ما يُلائم خطّ ضحكة المريض، ولونَ أسنانه المجاورة، وميزانيّته؟

الإطار المتكامل: ست عشرة دقيقة من التفكير قبل أيّ تحضير

قبل أن تلمس الـ handpiece، خذ ستّ عشرة دقيقةً ترتّب فيها ذهنك حول السنّ الأماميّ المكسور:

  1. هل اللبّ مكشوف؟ إن نعم — هل التشخيص reversible أم irreversible pulpitis؟ وإن كان irreversible، هل يستحقّ VPT محاولةً قبل علاج الجذور؟
  2. أين موقع الكسر بالنسبة للعرف العظميّ؟ فوق، عند، أم تحت؟ وكم ميلّيمتراً؟
  3. ما الـ STA الفرديّ لهذا المريض؟ قسه، لا تفترضه.
  4. كم جداراً سليماً يمكن أن تُكوّن منه ferrule ولو غير كامل؟ صفر، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة؟
  5. هل تحتاج لإكساب ferrule؟ إن نعم، أيّ الطرق الثلاث (جراحيّ، تقويميّ، رفع هامش)؟
  6. هل تحتاج وتداً فعلاً؟ أم أنّ الـ core اللاصق على بنيةٍ كافيةٍ يُغني؟
  7. ما نسبة التاج إلى الجذر بعد الإكساب؟ ينبغي ألّا تقلّ عن ١:١، والمثاليّ ١:١٫٥.
  8. هل خطّ الضحك للمريض مرتفع؟ إن نعم، تجنّب التطويل التاجيّ الجراحيّ الأماميّ.
  9. أيّ مادّةٍ ستختار للتاج النهائيّ؟ ولماذا.
  10. كم جلسةً سيستلزم العلاج؟ ومتى ستضع المؤقّت الذي يبقى أكثر من شهر؟

خلاصة

الأوهام الأربعة:

  • الوتد لا يُقوّي السنّ، بل يُمسك بالـ core فقط.
  • الـ ferrule ليس مفتاحاً ثنائيّاً، بل مُتدرّجاً في الارتفاع والعدد والموقع.
  • تشخيص irreversible pulpitis لا يستلزم علاج جذورٍ تلقائيّاً.
  • أرقام Gargiulo متوسّطات، لا قوانين.

الإطار السريريّ: اقرأ السنّ قبل أن تُحضّره. اقرأ المريض قبل أن تختار التاج. اقرأ الأدلّة قبل أن تثق بما تعلّمتَه في الكلّيّة قبل عشرين عاماً.

السنّ الأماميّ المكسور تحت اللثة ليس حالةً ميكانيكيّة. هو حالة قراءةٍ هادئة لخمسة عوامل: لبّ، عاج، عظم، لثة، ومريض. ومن يقرأ الخمسة، لا يكسر السنّ مرّتَين.

المصادر العلميّة:
  1. Dong S, Peng M, Wu G, Yao C, Huang C, Liang S. Does an incomplete ferrule affect the fracture of endodontically treated teeth? A systematic review of in vitro studies. J Dent. 2024;146:105068. doi:10.1016/j.jdent.2024.105068. PMID: 38740250.
  2. Duncan HF, Galler KM, Tomson PL, et al. European Society of Endodontology position statement: management of deep caries and the exposed pulp. Int Endod J. 2019;52(7):923–934.
  3. American Association of Endodontists. AAE Position Statement on Vital Pulp Therapy. 2021.
  4. Duncan HF, Kirkevang LL, Peters OA, et al. Treatment of pulpal and apical disease: The European Society of Endodontology (ESE) S3-level clinical practice guideline. Int Endod J. 2023;56(Suppl 3):238–295. doi:10.1111/iej.13974. PMID: 37772327.
  5. Asgary S, Roghanizadeh L, Eghbal MJ, et al. Outcomes and predictive factors of vital pulp therapy in a large-scale retrospective cohort study over 10 years. Sci Rep. 2024;14:2270. doi:10.1038/s41598-024-52654-8. PMID: 38267594.
  6. Eggmann F, Ayub JM, Conejo J, Blatz MB. Deep margin elevation — present status and future directions. J Esthet Restor Dent. 2023;35(1):26–47. doi:10.1111/jerd.13008. PMID: 36602272.
  7. Eggmann F, Beunder L, Cune MS. Deep margin elevation in anterior teeth: A clinical report. J Prosthet Dent. 2025. doi:10.1016/j.prosdent.2025.02.018.
  8. Mancino D, et al. Effective luting agents for glass-fiber posts: A network meta-analysis. Dent Mater. 2023;39(12):1135–1147.
  9. Yan W, et al. Minimum residual root dentin thickness of mandibular premolars restored with a post: A finite element analysis study. J Prosthet Dent. 2024;131(5):908–915. PMID: 35489836.
  10. Gargiulo AW, Wentz FM, Orban B. Dimensions and relations of the dentogingival junction in humans. J Periodontol. 1961;32(3):261–267.
  11. Abdulkarim HH, et al. Digital assessment of supracrestal tissue attachment and its correlation with dentogingival components. Clin Adv Periodontics. 2024;14(4):310–318.
  12. Alghamdi MA, et al. Comparative Evaluation of Long-Term Clinical Performance and Patient Satisfaction in Zirconia Versus Lithium Disilicate Crowns: A Multi-Center RCT. J Posthumanism. 2024.
  13. Olsson S, Pigg M, Gustavsson J, Ekblom E, Fransson H. Immediate or delayed direct restoration does not significantly influence additional endodontic treatments and 5-year tooth survival of first molars. Acta Odontol Scand. 2025;84:44804. doi:10.2340/aos.v84.44804.
  14. Reichardt E, Krug R, Bornstein MM, et al. Orthodontic forced eruption of permanent anterior teeth with subgingival fractures: a systematic review. Int J Environ Res Public Health. 2021;18(23):12580.

تعليقات

المشاركات الشائعة